الشيخ محمد هادي معرفة

20

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

مع الزمن ، فيما زعموا . أمّا في عصرنا الحاضر فقد راج اللون الأدبيّ الاجتماعيّ على التفسير ، ووجدت بعض محاولات علميّة ، في كثير منها تكلّف باهِت وغلوّ ظاهر ، وسنتكلّم عن مختلف هذه الألوان ، بما وسع لنا المقال إن شاء اللّه . كان التفسير في اجتيازه تلك المراحل وتطوّره مع سير الزمان ، قد وجدت له ألوان وظهرت أشكال ، أشرنا إليها . غير أنّ هذه الأشكال والألوان لم تزل مستمرّة ، ودام وجودها في كلّ عصر من الأعصار . ومن ثَمّ فإنّ المفسرين لم يزالوا يتنوّعون في التفسير ، وتظهر على أيديهم أنواع من التفسير ، حسب مختلف براعاتهم في الفنون والعلوم ، وتخصّصاتهم في أنحاء المعارف والثقافات ؛ وبذلك نستطيع أن ننوّع التفسير منذ عهد تدوينه فإلى الآن ، إلى أنواع مختلفة : ولقد كان التفسير في بدء نشوئه متقطّعا ومترتّبا حسب ترتيب السور والآيات . كان المفسّر يراجع شيخه في مواضع من القرآن ، كان قد أشكل عليه فهمه ، فيسأله عنه ويسجّله في دفتره ، مبتدئا من أوّل القرآن إلى آخره . هذا هو نمط التفسير المأثور عن السلف ، المحفوظ بعضه إلى اليوم ، كتفسير مجاهد وغيره . فأوّل نوع من التفسير الذي جاء إلى الوجود هو « التفسير بالمأثور » ومتقطّعا ، ولكن مرتّبا حسب ترتيب السور والآيات . ثمّ بعده أخذ في تشكّل أكثر وانسجام أبلغ ، مضافا إليه بعض التوسّع والتنوّع ، كما عرفت . ولكن ظهر إلى جنب هذا النوع من التفسير الرتيب ، نوع آخر تعرّض للجوانب الفقهيّة أو اللغويّة فقط ، تاركا جوانبه الاخر ، وهذا نوع من « التفسير الموضوعيّ » الذي ظهر إلى عالم الوجود ، من أوّل يومه ولا يزال . فهذه كتب آيات الأحكام ، وكتب غريب القرآن ، هي تفاسير موضوعيّة ، مقتصرة على جانب فهم الأحكام ، واستنباط فروع المسائل من القرآن ، وهكذا تفسير ما ورد في القرآن من غريب الألفاظ .